شاعر عشوائي
سوريا فائز زكريا اليوسف

أخبار الشعر والشعراء
اغتراب
قراءة نفسية في قصيدة ( اغتراب )
للشاعرة هند صقر القاسمي
حوار مع قارئ القصيدة

د. عمر عتيق \ فلسطين

في النفس الإنسانية تكمن طاقة خلاقه ترفع صاحبها من هاوية السقوط إلى ذروة النجاح ، لو أحسنا استشعارها والإحساس بها لاستطعنا إعادة صياغة مفردات الكون كيفما نشاء ، نعتلي عرش الفرح ونرتشف رحيق السكينة ، ولو أخفقنا في اكتشاف تلك الطاقة الخلاقة ، لسقطنا في هاوية الحزن ، تروعنا عواصف الخوف وتدمينا أنياب القلق ، ويغتالنا برد الحرمان وصقيع الاكتئاب . وبين اعتلاء عرش الفرح والسقوط في هاوية الحزن مسافة المصير التي ينبغي ان ندرك أبعادها وجوهرها ، تلك المسافة يمكن ان تكون في منتهى اليسر والسهولة ، أو في غاية المشقة والاستحالة .
ومن يحسن قراءة قصيدة ( اغتراب ) يجتاز المسافة بين العلو والسقوط ، فيعتلي العرش وينجو من الهاوية ، ولكن كيف يمكن ان يتسنى للقارئ ان يقطع تلك المسافة ليصل إلى شواطئ الفرح والسكينة ؟؟؟؟ سأمنح القارئ ثلاثة اضاءات تنير له مسارات القصيدة :
: حينما تعتلي أسوار القصيدة ، وتهم في ولوج حدائق معانيها فلا تخف من مفردات الوحدة والاغتراب والاكتئاب وجور الزمان ، فكلها سحب عقيمة لا تمطر خوفا ولا ترعد موتا ولا تبرق هزيمة فما هي إلا ظلال في سماء القصيدة لتوهمك انك إلى فناء وعزيمتك إلى خواء ، وإذا قلت لي أنني مغرق في تفاؤلي وأنني غضضت البصر وأعميت البصيرة عما تقوله الشاعرة في بداية القصيدة :
وحيداً أعيشُ بدنيا اغترابي أصارعُ جَوْرَ الزمانِ العصيبْ

أقول لك ان الإحساس بالوحدة في قول الشاعرة يحمل في أحشائه أجنة الضعف وتباشير القوة ، وإذا أردت دليلا فاستمع قول الشاعرة في خاتمة القصيدة :
وحيداً أضيء مصابيحَ حلمي أقارع غدر الزمان المريب
ألا ترى ان الشاعرة قدمت الحال ( وحيدا ) في البيتين ؟ لتهمس لك بان الوحدة قد تعصف بصاحبها إلى جحيم الحياة ، وبان الوحدة قد تحمل صاحبها على أجنحة الرضا والسعادة ، وإذا أردت ان تكتشف سر اختيار الوحدة فما عليك إلا ان تلامس القلب النابض للقصيدة الذي يخفق بقول الشاعرة :

بهجعةِ ليلي أُثوبُ لنفسي
فأنسى مرارةَ أمسي الكئيبْ
أُقلبُ صفْحاتِ عمري لأروي
على النفسِ قصةَ وهمٍ عجيبْ
تهدهدُني نغماتُ الأماني
يُعيدُ صَدَاها مَرامي السليبْ
أرايت كيف تحولت الوحدة في وجدان الشاعرة من اغتراب يفتك بالنفس إلى طمأنينة يعبق شذاها في الوجدان فيتحول المذاق من المرارة إلى الرحيق ، وضجيج الاكتئاب إلى نغمات الأماني ، أرايت كيف يمكن للإنسان أن يضمد جراحه ، فتشرق قسمات وجهه جمالا وتألقا ؟ دعني أهمس لك بسر هذا التحول الخلاق ، إنه استشعار القوة الخلاقة التي تكمن في نفسك ، فالشاعرة تدعوك للعودة لنفسك وتستغرق في تأمل القوة الكامنة فيك حتى الثمالة ، لا تستيقظ من تأملاتك إلا بعد ان تتيقن بأنك الأقوى والأجمل والأروع ، إنه الخلود إلى النفس لتفجير منابع الطاقات الخلاقة التي تكمن فيك أنت ، هل تتمنى ان تكون الأجمل من الآخرين ؟ لك ذلك إذا أيقنت أن بريق عينيك يغنيك عن ألوان العيون التي يتغنى بها الآخرون ، فكل ما تتمناه من صفات أجساد الآخرين تجد بديلا عنه إذا تأملت أعماقك في هجعة ليلك ، تعلم مهارة التأمل تمتلك ما يتمناه الآخرون . هل تطمح ان تكون أسمى وأنبل من الآخرين ؟ لك ذلك إذا زرعت بذور البسمة على شفاه المحرومين لتحصد سنابل الرضا والشموخ ، وستكتشف ان ما حصدته أسمى وأنبل فتات موائد المنافقين وهتافات المتملقين .
عد ثانية إلى سياق الوحدة قبل ان تثوب الشاعرة إلى نفسها في قولها : (أصارعُ جَوْرَ الزمانِ العصيبْ ) واعقد مقارنة بينه وبين قولها في سياق الوحدة بعد ان ثابت الشاعرة إلى نفسها في هجعة ليلها (أقارع غدر الزمان المريب ) ، لتعرف الفرق بين الفعل ( أصارع ) والفعل ( أقارع ) ، ففي سياق الوحدة والاغتراب والاكتئاب كانت الشاعرة تصارع ويلات الزمان ، والصراع أو المصارعة يغلب عليها ضعف الإنسان أمام جبروت الزمان ، وفي سياق عودة الشاعرة إلى نفسها في هجعة ليلها أصبحت الشاعرة تقارع الزمان ، والقراع أو المقارعة يدلان على قوة الإنسان وثقته بنفسه ، فلا احد يقارع غيره إلا إذا امتلك حظا من القوة والإرادة ، أرايت كيف تحول الصراع إلى قراع ؟ ثم تأمل معي تباين صفة الزمان في الحالتين ، ففي حالة الاغتراب والوحدة جاء الزمان عصيبا ، وفي حالة العودة إلى النفس واستشعار القوة الخلاقة جاء الزمان مريبا ، فالزمان العصيب له قدرة خارقة على افتراس النفوس التي تستسلم في أول جولة من المصارعة مع الزمان ، والزمان المريب تتلاشى قدرته على هزيمة النفوس التي تستشعر القوة في أعماقها .

تأمل معي تحولا آخر في القصيدة ، ففي بداية القصيدة نسمع هديل الشاعرة يقطر أنينا وألما في قولها :
ولا النجمُ يرنو إلي بطرفٍ
سناهُ يبيدُ الظلامَ الرهيبْ
ألا ترى معي ان الاغتراب قد امتد إلى آفاق السماء ، وان حبال المودة والوصال تقطعت بين الشاعرة ونجوم السماء ، فما عاد النجم يصغي إلى مناجاة الشاعرة ، وما عاد الضياء يشرق في الوجدان ، ولكن سرعان ما عادت المودة والمناجاة بين الشاعرة ونجوم السماء بعد ان استشعرت القوة الخلاقة في وجدانها حينما أوت في هجعة ليلها إلى فردوس نفسها ، لذلك لا غرابة ان نسمع الشاعرة تشدو فرحا وسكينة في قولها :
أُحلِّقُ بين نجومٍ وزُهْرٍ
وأُجني دَراري الفضاءِ الرحيبْ

وتأمل كيف ارتقت الشاعرة من هاوية الحزن إلى عرش الفرح في قولها :
ولا زهرةٌ أنتشي بِشذاها
تعطرُ أفْقي فتُطفي اللهيبْ
لا يخفى في هذا السياق ان الشاعرة فقدت مقومات الحياة ، فالزهور تحجب شذاها عن ظمأ الروح ،فلم يبق لها إلا جفاف الحلم وصحاري الغد ، ولكن سرعان ما يتحول الظمأ والجفاف والتصحر إلى ارتواء وخصوبة وخضرة وهو ما تجلى في شدوها :

فتخمدُ نيرانُ قلبي ويسلو
فؤادي ويُورِقُ أمسي الجديبْ

ولعلك أصبحت الآن ما هرا في اصطياد ما تبقى من كنوز القصيدة ، فإذا أفلحت في كسر أصداف كلمات القصيدة ستجني درر المعاني ، ومن أجل هذه الغنائم تأمل نفسك واستشعر الطاقة الخلاقة التي وهبتها لك الشاعرة ، وأكاد اسمع همسا في أعماقك ، انك ستعيد قراءة القصيدة لتزداد رحيقا من شفاه الكلمات وانك لا تملك الرحيل عنها لان أنامل القصيدة تجذبك نحو أحضان وجدانك حيث القوة الخلاقة.

   
تاريخ الإضافة : 2009-12-22
المصدر : خاص

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
 
الإسم
الرقم السري


المتواجدين الآن
يتواجد الآن ( 6 ) زوار من:
أمريكا أمريكا 6

Powered By : Ash3ar-Script Ver 1.0 | Page Loaded in 0.021 seconds

 
مجموعة ترايدنت العربية